شرح قصيدة في وصف النيل

كتابة:
شرح قصيدة في وصف النيل

شرح أبيات قصيدة في وصف النيل

كتب هذه القصيدة الشاعر المصري أحمد شوقي، المعروف بأمير الشعراء، ولد في القاهرة عام 1868م وكانت أسرته مقرّبة من أسرة الحكم في مصر، أكمل تعليمه في المدارس الحكومية ودرس عامين في قسم الترجمة في مدرسة الحقوق في مصر، ثم أرسله الخديوي عباس حلمي لمتابعة دراسة الحقوق في فرنسا في مونبلييه.[١]


وهناك اطلع شوقي على الأدب الفرنسي، واحتكّ بالثقافة الفرنسية، بعد سقوط الخديوية في مصر، نُفي إلى إسبانيا وبقي فيها نحوًا من أربع سنوات عاد بعدها إلى مصر،[٢] وكتب في معظم فنون الشعر مثل: الغزل، والمديح، والوصف، والرثاء، وتناول الأحداث السياسية، والاجتماعية، في مصر والعالم الإسلامي.[٣]


كتب المسرحيات الشعرية مثل: مجنون ليلى، ومصرع كليوباترا، وعذراء الهند، وعلي بك الكبير، وغيرها الكثير، وله ديوان الشوقيات، وله ترجمات في كثير من الكتب من معاصريه ومن جاء بعدهم،[٤] ويقول في قصيدته في وصف النيل:[٥]


مِن أَيِّ عَهدٍ في القُرى تَتَدَفَّقُ

:::وَبِأَيِّ كَفٍّ في المَدائِنِ تُغدِقُ

وَمِنَ السَماءِ نَزَلتَ أَم فُجِّرتَ مِن

:::عَليا الجِنانِ جَداوِلًا تَتَرَقرَقُ

وَبِأَيِّ عَينٍ أَم بِأَيَّةِ مُزنَةٍ

:::أَم أَيِّ طوفانٍ تَفيضُ وَتَفهَقُ

وَبِأَيِّ نَولٍ أَنتَ ناسِجُ بُردَةٍ

:::لِلضِفَّتَينِ جَديدُها لا يُخلَقُ

تَسوَدُّ ديباجًا إِذا فارَقتَها

:::فَإِذا حَضَرتَ اِخضَوضَرَ الإِستَبرَقُ

في كُلِّ آوِنَةٍ تُبَدِّلُ صِبغَةً

:::عَجَبًا وَأَنتَ الصابِغُ المُتَأَنِّقُ

في هذه القصيدة يقف الشاعر أحمد شوقي أمام نهر النيل العظيم يناجيه ويحاوره متسائلًا عن بعض ما يدور في ذهنه، فبدأ ذلك بالسؤال عن الزمن الذي بدأ فيه نهر النيل بالتدفّق وسقاية المدن والقرى التي يمرّ فيها، ثمّ يسأله عن الأسطورة القديمة التي يتداولها أبناء مصر وهي أنّ النيل ينبع من الجنة لا من هضبة البحيرات في إفريقيا.[٦]


ويكمل الشاعر اندهاشه من النهر، فيقول له إنّه هل نزل من السماء من مياه الأمطار أو أنّه قد تشكّل عن فيضان إحدى البحيرات التي فاضت فتكوّن عنها نهر النيل، وبعدها يكمل الشاعر مديحه للنهر الذي يكسو ضفافه ثوبًا من العشب الأخضر، وهو ثابت في مكانه بينما تلك الضفاف قد تتبدل بين حين وآخر.[٦]


أَتَتِ الدُهورُ عَلَيكَ مَهدُكَ مُترَعٌ

:::وَحِياضُكَ الشُرقُ الشَهِيَّةُ دُفَّقُ

تَسقي وَتُطعِمُ لا إِناؤُكَ ضائِقٌ

:::بِالوارِدينَ وَلا خُوّانُكَ يَنفُقُ

وَالماءُ تَسكُبُهُ فَيُسبَكُ عَسجَدًا

:::وَالأَرضُ تُغرِقُها فَيَحيا المُغرَقُ

تُعي مَنابِعُكَ العُقولَ وَيَستَوي

:::مُتَخَبِّطٌ في عِلمِها وَمُحَقِّقُ

أَخلَقتَ راووقَ الدُهورِ وَلَم تَزَل

:::بِكَ حَمأَةٌ كَالمِسكِ لا تَتَرَوَّقُ

حَمراءُ في الأَحواضِ إِلّا أَنَّها

:::بَيضاءُ في عُنُقِ الثَرى تَتَأَلَّقُ


يتابع أحمد شوقي مديحه للنيل فيقول: إنّه منذ الأزل عظيم كبير قد سقى الناس من مياهه ولم يمل ولم يكل، فكانت مياهه أغلى من الذهب فهو يعطي ما لا يعطيه الذهب والأرض التي تغرق بمياهه تحيا من جديد على عكس ما يسببه الغرق عادة وهو الموت.[٧]


ومن ماءك ترتوي النفوس والعقول ولا فرق بين من تسقيهم من الناس مهما كانوا، ومهما مرّ عليك من الدهور فإنّ الطين الأسود في أعماقك وعلى ضفافك باقٍ يدلّ على عظمتك، هذا الطين الذي وإن بدا لونه أحمر في حوضك إلّا أنّه ينمو فيه النبات الأبيض وهنا يرمز للقطن.[٧]


دينُ الأَوائِلِ فيكَ دينُ مُروءَةٍ

:::لِمَ لا يُؤَلَّهُ مَن يَقوتُ وَيَرزُقُ

لَو أَنَّ مَخلوقًا يُؤَلَّهُ لَم تَكُن

:::لِسِواكَ مَرتَبَةُ الأُلوهَةِ تَخلُقُ

جَعَلوا الهَوى لَكَ وَالوَقارَ عِبادَةً

:::إِنَّ العِبادَةَ خَشيَةٌ وَتَعَلُّقُ

هنا يشير أحمد شوقي إلى القدماء، الذين سكنوا مصر وألّهوا النيل وصاروا يعبدونه، فيقول إنّهم لمّا رأوا العظمة التي هو فيها جعلوه إلهًا يُعبد، ولو كانت العبادة تجوز لغير الله لكانت للنيل، وفي ذلك كناية عن عظمته.[٦]


دانوا بِبَحرٍ بِالمَكارِمِ زاخِرٍ

:::عَذبِ المَشارِعِ مَدُّهُ لا يُلحَقُ

مُتَقَيِّدٌ بِعُهودِهِ وَوُعودِهِ

:::يَجري عَلى سَنَنِ الوَفاءِ وَيَصدُقُ

يَتَقَبَّلُ الوادي الحَياةَ كَريمَةً

:::مِن راحَتَيكَ عَميمَةً تَتَدَفَّقُ

مُتَقَلِّبُ الجَنبَينِ في نَعمائِهِ

:::يَعرى وَيُصبَغُ في نَداكَ فَيورِقُ

فَيَبيتُ خِصبًا في ثَراهُ وَنِعمَةٍ

:::وَيَعُمُّهُ ماءُ الحَياةِ الموسِقُ

وَإِلَيكَ بَعدَ اللهِ يَرجِعُ تَحتَهُ

:::ما جَفَّ أَو ما ماتَ أَو ما يَنفُقُ

يتابع شوقي إطراءه للنهر، فيصفه بصفات المجد والتعظيم أنّه عذب ومتسع كالبحر، وينتظم بمواعيد غزارته وفيضانه ويروي واديه المعروف بوادي النيل ويسبب له الحياة فهو -بعد الله تعالى- السبب في الحياة التي تعمّ وادي النيل والدلتا، وغيرها من المناطق والمزارع والحقول التي تقع على ضفاف نهر النيل.[٦]


كَم مَوكِبٍ تَتَخايَلُ الدُنيا بِهِ

:::يُجلى كَما تُجلى النُجومُ وَيُنسَقُ

وَنَجيبَةٍ بَينَ الطُفولَةِ وَالصِبا

:::عَذراءَ تَشرَبُها القُلوبُ وَتَعلَقُ

كانَ الزَفافُ إِلَيكَ غايَةَ حَظِّها

:::وَالحَظُّ إِن بَلَغَ النِهايَةَ موبِقُ

لافَيتَ أَعراسًا وَلافَت مَأتَمًا

:::كَالشَيخِ يَنعَمُ بِالفَتاةِ وَتُزهَقُ

في كُلِّ عامٍ دُرَّةٌ تُلقى بِلا

:::ثَمَنٍ إِلَيكَ وَحُرَّةٌ لا تُصدَقُ

حَولٌ تسائِلُ فيهِ كُلُّ نَجيبَةٍ

:::سَبَقَت إِلَيكَ مَتى يَحولُ فَتَلحَقُ

وَالمَجدُ عِندَ الغانِياتِ رَغيبَةٌ

:::يُبغى كَما يُبغى الجَمالُ وَيُعشَقُ

إِن زَوَّجوكَ بِهِنَّ فَهيَ عَقيدَةٌ

:::وَمِنَ العَقائِدِ ما يَلَبُّ وَيَحمُقُ

وهنا ينتقل شوقي للحديث عن الطقوس القديمة، التي كان يفعلها قدماء المصريين تقرّبًا من النيل الذي وصل عندهم إلى درجة العبادة، فقد كان الناس يقدمون للنيل أجمل بناتهم ظنًّا منهم أنّه بهذا التصرّف سوف يتقربون منه، فكانوا يختارون له الفتيات العذارى ويشيّعونهنّ في موكب مهيب حتى يصلوا نهر النيل.[٧]


وهنا يصور شوقي أنّ شعور الفتاة هو الخوف وأهلها قد صار عندهم مأتم بينما هو عند الناس عرس لاعتقادهم أنّ النيل سيسكن غضبه في هذا الوقت، فيشبّه هذا المشهد بمشهد الشيخ العجوز الذي يتزوّج بفتاة صغيرة في السن، فهذا التصرّف هو حزن عند الفتاة وفرح عند ذلك العجوز.[٧]


ويقول شوقي: إنّ هذا التصرف يتكرر كل عام، وكل فتاة تخاف أن يكون دورها في العام القادم فتُرمى في النيل بلا ثمن ولا أجر على عكس الزواج المعروف بين البشر فهو زواج يحكمه الصداق وأمور أخرى، ويسخر شوقي من هذا الاعتقاد فيقول: إنّ هذه العقائد تنبع عن حماقة كانت عند أولئك القوم.[٧]


وَلَرُبَّما حَسَدَت عَلَيكَ مَكانَها

:::تِربٌ تَمَسَّحُ بِالعَروسِ وَتُحدِقُ

مَجلُوَّةٌ في الفُلكِ يَحدو فُلكَها

:::بِالشاطِئَينِ مُزَغرِدٌ وَمُصَفِّقُ

في مِهرَجانٍ هَزَّتِ الدُنيا بِهِ

:::أَعطافَها وَاِختالَ فيهِ المَشرِقُ

فِرعَونُ تَحتَ لِوائِهِ وَبَناتُهُ

:::يَجري بِهِنَّ عَلى السَفينِ الزَورَقُ

حَتّى إِذا بَلَغَت مَواكِبُها المَدى

:::وَجَرى لِغايَتِهِ القَضاءُ الأَسبَقُ

وَكَسا سَماءَ المِهرَجانِ جَلالَةً

:::سَيفُ المَنِيَّةِ وَهوَ صَلتٌ يَبرُقُ

وَتَلَفَّتَت في اليَمِّ كُلُّ سَفينَةٍ

:::وَاِنثالَ بِالوادي الجُموعُ وَحَدَّقوا

أَلقَت إِلَيكَ بِنَفسِها وَنَفيسِها

:::وَأَتَتكَ شَيِّقَةً حَواها شَيِّقُ

خَلَعَت عَلَيكَ حَياءَها وَحَياتَها

:::أَأَعَزُّ مِن هَذَينِ شَيءٌ يُنفَقُ

يتابع شوقي سرد قصص من خياله عن طقوس القدماء يستقيها من اطلاعه على حياتهم في ذلك الوقت فيقول: إنّ طقوس رمي الفتاة في النيل تجري بشكل مخصوص، فإنّ ذلك يكون من خلال مهرجان كان يحضره فرعون، وكل أهل مصر، فكانوا يسيرون بزوارقهم حتى يبلغوا مكانًا بعيدًا في النيل وعندها ترمي الفتاة بنفسها في مشهد مهيب، وهنا يخاطب النيل قائلًا: إنّ الفتاة جاءته عذراء مُحصنة قد رمت بنفسها في سبيل إنقاذ أهلها، وليس أعزّ على الفتاة من حياتها وحيائها وقد رمت بهنّ إليك.[٧]


ما كانَتِ الفُسطاطُ إِلّا حائِطًا

:::يَأوي الضَعيفُ لِرُكنِهِ وَالمُرهَقُ

وَبِهِ تَلوذُ الطَيرُ في طَلَبِ الكَرى

:::وَيَبيتُ قَيصَرُ وَهوَ مِنهُ مُؤَرَّقُ

عَمرٌو عَلى شَطبِ الحَصيرِ مُعَصَّبٌ

:::بِقِلادَةِ اللهِ العَلِيِّ مُطَوَّقُ

يَدعو لَهُ الحاخامُ في صَلَواتِهِ

:::موسى وَيَسأَلُ فيهِ عيسى البَطرَقُ

يا نيلُ أَنتَ يَطيبُ ما نَعَتَ الهُدى

:::وَبِمَدحَةِ التَوراةِ أَحرى أَخلَقُ

وهنا يختم شوقي قصيدته تلك، فيتحدث عن مصر التي هي أرض النيل فيصفها بمأوى الضعفاء وملاذهم ومأوى الطيور والبهائم، التي تتغذى على خيراتها وفي نفس الوقت هي الحصن الحصين الذي يخشاه أعداؤها، وهي مكان تعايش الأديان الثلاثة، ويختم أن النيل يوحّد أبناء مصر مهما اختلفت عقائدهم.[٧]


الأفكار الرئيسة في قصيدة في وصف النيل

لقد احتوت قصيدة شوقي في وصف النيل على كثير من الفِكَر الرئيسة، من أبرزها ما يأتي:[٦]

  • نهر النيل: نهر عظيم ينبع منذ القدم.
  • حياة ضفاف نهر النيل كانت بسببه بعد الله.
  • السخرية من معتقدات القدامى.
  • عبادة القدامى لنهر النيل.
  • الحديث عن أسطورة عروس النيل.
  • وصف موكب عروس النيل.
  • مصر هي بلاد تجمع الناس جميعًا.


معاني المفردات في قصيدة في وصف النيل

تمتاز قصائد أحمد شوقي عمومًا بصعوبة الألفاظ، ومما ورد من ألفاظ صعبة في هذه القصيدة:


الكلمة
معناها
مزنة
المزنة هي المطَرَة.[٨]
النول
النول هو ما يكون في آلة الغزل.[٩]
الخوان
الخوان هي ما يوضع عليه الطعام.[١٠]
ينفق
ينفق بمعنى يموت، وأكثر ما يستعمل هذا الفعل للدواب.[١١]
راووق
الراووق له معانٍ كثيرة منها المصفاة وهو ما قصده الشاعر هنا.[١٢]


الصور الفنية في قصيدة في وصف النيل

ورد في قصيدة شوقي كثير من الصور الفنية، لعلّ أبرزها ما يأتي:[٦]

  • تتخايل الدنيا: استعارة مكنية، شبه الشاعر الدنيا، بأنثى تتخايل، حذف المشبه به وهو الأنثى، وأبقى على شيء من لوازمها وهو المشي بخيلاء.
  • تشربها القلوب: استعارة مكنية، شبّه الشاعر القلب، بأفواه تشرب، حذف المشبه به، وأبقى على شيء من لوازمه وهو الشرب، ويجوز أن تكون الجملة كناية.
  • هزّت الدنيا أعطافها: استعارة مكنية، شبه الشاعر الدنيا أنّها امرأة تهزّ أعطافها، حذف المشبه به وأبقى على شيء من لوازمها وهو هزّ الأعطاف.


ختامًا، يظهر أنّ قصيدة النيل لأحمد شوقي، هي من الملاحم الأدبية التي قد تغنّت بحبّ نهر النيل ووصفه، ووصف ما يكون عليه، وسردت شيئًا من تاريخه ومرّت على الحضارات التي قامت عليه.


المراجع

  1. المكتبة الشاملة، أحمد شوقي، صفحة 1. بتصرّف.
  2. الزركلي، الأعلام، صفحة 136. بتصرّف.
  3. عبد الهادي محمد، الأخلاق في شعر أحمد شوقي، صفحة 2 - 8. بتصرّف.
  4. تسنيم مرسي، أحمد شوقي، صفحة 1 - 4. بتصرّف.
  5. "من أي عهد في القرى تتدفق"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 18/9/2021. بتصرّف.
  6. ^ أ ب ت ث ج ح أحمد أحمد بدوي، مجلة الرسالة، صفحة 15 - 16. بتصرّف.
  7. ^ أ ب ت ث ج ح خ أحمد شوقي، الشوقيات، صفحة 365. بتصرّف.
  8. "تعريف و معنى المزنة في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، معجم المعاني، اطّلع عليه بتاريخ 19/9/2021. بتصرّف.
  9. "تعريف و معنى النول في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، معجم المعاني، اطّلع عليه بتاريخ 19/9/2021. بتصرّف.
  10. "تعريف و معنى الخوان في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، معجم المعاني، اطّلع عليه بتاريخ 19/9/2021. بتصرّف.
  11. "تعريف و معنى النفوق في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، معجم المعاني، اطّلع عليه بتاريخ 19/9/2021. بتصرّف.
  12. "تعريف و معنى راووق في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، معجم المعاني، اطّلع عليه بتاريخ 19/9/2021. بتصرّف.
7662 مشاهدة
للأعلى للسفل
×